وَرَدَ هاذا التعبير في سورة آل عمران: {فَأَنْفُخُ فِيهِ} ولاكن ورد في سورة المائدة: {فَتَنْفُخُ فِيهَا}.
والآية الأولى هي: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله} [آل عمران:49].
والآية الثانية هي: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} [المائدة:110].
فما السبب البلاغيّ الذي جعل العبارة في الآية الأولى: {فَأَنْفُخُ فِيهِ} والضمير بعد (في) عائدٌ على مُذكّر؟ وجعل العبارة في الآية الثانية: {فَتَنْفُخُ فِيهَا} والضمير بعد (في) عائدٌ على مؤنث؟
آراء:
سأُورِدُ تالياً ثلاثة آراء للخطيب الإسكافي والزمخشري وابن الزبير الثقفي، ثم أُوردُ رأيي:
الخطيب الإسكافي:
الجواب أن يُقال: إن الأول الذي ذكر الضمير فيه إنما هو في إخبار الله عزوجل به عن عيسى عليه السلام، وقوله لبني إسرائيل: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} وعدَّدَ الآيات كلها عليهم.. منها: أني آخذُ من الطين ما أُصَوِّر منه صورة على هيئة الطير في تركيبه، فَأَنْفُخُ فِيهِ فينقلب حيواناً لحماً قد رُكِّبَ فيه عظم، وخالط دماً، واكتسى ريشاً وجناحاً كالطائر الحي، والقصد في هاذا المكان إلى ذكر ما تقوم به حجته عليهم، وذا أول ما يُصَوَّر من الطين على هيئة الطير ويكون واحداً يلزم به الحجة، فالتذكير أولى به، والتي في سورة المائدة المخصوصة بتأنيث الضمير العائد إلى ما يلحقه هي في ذكر ما عدَّدَ الله من النعم على عيسى عليه السلام، وما أصحبه إياه من المعجزات، وما أظهر على يده من الآيات، وابتداؤها:
{إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} [المائدة:110] والإشارة في هذه الآية ليست إلى أول ما يبديه لبني إسرائيل من ذلك محتجاً به عليهم، وإنما هي إلى جميع ما أذن الله تعالى في كونه دلالةً على صدقه من قلب الصور التي يُصوِّرُها من الطين على هيئة الطير، وذالك جمعٌ، والتأنيث به أولى. (1)
فأنت ترى أن الخطيب الإسكافي (ت 431 هـ) عزا ذالك إلى أن التذكير جاء في الأمر المبتدأ به، وإلى أن التأنيث جاء في الحالة المستأنفة وليس ذالك شرطاً، وإن كان في تعليله جوانب من تَلَمُّس الفرق؛ لأن الذكورة مقدمة على الأنوثة كما قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34].
الزمخشري:
قال الزمخشري: {فَأَنْفُخُ فِيهِ} "الضمير للكاف، أي: في ذالك الشيء المماثل لهيئة الطير". (2)
أما في عبارة: {فَتَنْفُخُ فِيهَا} فيقول: "الضمير للكاف؛ لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى عليه السلام ويَنفُخ فيها. (3)
أقول: الإمام الزمخشري يُفسِّر الكاف في الآية الأولى بـ "ذالك الشيء"، أي: بلفظ مذكر، ويفسره في الآية الثانية بأنه "صفة للهيئة"؛ أي: هيئةٌ شبيهةٌ بهيئة الطير.
وهاذا ممكن لاكنّه بلا تعليل، عندما نعتبر التعبير مُذكَّر الضمير، ثم نعتبره في الحالة الثانية مُؤنَّث الضمير، وهنا، لو اكتفينا بهاذا الإبدال الأصمّ يكون تذكيرُه هنا وتأنيثُهُ اعتباطيّاً. إذن – والعبارة واحدة – لا بد من مُرَجِّحٍ للتذكير في الآية الأولى، ومن مُرجّح للتأنيث في الآية الثانية.
ولذا.. فجواب الخطيب الإسكافي فيه بعض التعليل للتذكير والتأنيث، ولاكن جواب الزمخشريّ.. اعتباطيّ؛ لأنه لم يَأتِ بأيِّ مُرجّح لأيٍّ من الحالتين.
أحمد ابن إبراهيم ابن الزبير – الغرناطي:
أفضل هاذه الأجوبة هاذا الجواب الثالث – جواب الثقفي (ت 780 هـ):
يُسأل عن تذكير الضمير وتأنيثه، وعن وجه تكرير قوله سبحانه: {بِإِذْنِي} في آية المائدة مُضافاً إلى ضميره سبحانه في أربعة مواضع مع وجازة الكلام وتقارب ألفاظ الآية، وقد جرى هذا الغرض في آية آل عمران، فورد فيها ذالك في موضعين خاصة مضافاً إلى الظاهر من اسمه سبحانه؟
والجواب عن السؤال الأول بعد تمهيد الجواز في تذكير الضمير في قوله: {فَأَنْفُخُ فِيهِ} في الآية الأولى وتأنيثه في الآية الثانية في قوله: {فَتَنْفُخُ فِيهَا} مع اتّحاد ما يعود عليه. فأقول وأسأل الله توفيقه: قال الزمخشري في الأولى: "الضمير للكاف، أي: في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فيكون طائراً، أي: فيصير طائراً كبقية الطيور، وقال في قوله: {فَتَنْفُخُ فِيهَا} الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، قال: وكذلك الضمير في {تَكُونُ}".
انتهى نص كلامه، وهو بَيِّن. (4)
وجوابٌ ثانٍ: وهو أنه قد ورد قبل ضمير آية آل عمران من لدن قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} إلى قوله: {فَأَنْفُخُ فِيهِ} نحوٌ من عشرين ضميراً من ضمائر المذكّر، فَوَرَد الضمير في قوله {فَأَنْفُخُ فِيهِ} ضميرَ مُذكّرٍ ليناسب ما تَقَدَّمه، ويُشاكل الأكثر الوارد قبله. (5)
تعليق:
في الجواب الأول.. اعتبر الضمير المذكر، عائداً على الكاف (والكاف بمعنى مثل) و(مثل) مذكر، والسبب أن هاذه الآية أسبق في الترتيب من الآية الثانية فكان جيّداً أن يُحمَل الضمير على التذكير؛ لأن المذكر مُقدَّمٌ على المؤنث – كما أسلفنا القول مع الخطيب الإسكافي – وكان حسناً أن يُحمَلَ الضمير على المعنى في الآية الثانية؛ لأن (مثل) التي يُفَسَّر بها الكاف بمعنى: صفة، وهاذا شبيهٌ برأي الخطيب الإسكافي.
أقول: وهاذا تعليلٌ لا بأس به، ولاكنّه ناقص؛ لأن القرآن الكريم لا يأتي فيه قول لاعتبار اللفظ وَحدَه، أو لاعتبار المعنى وَحدَه، وإنما يأتي للاعتبارين معاً: اللفظ والمعنى.
ولاكن، يَزيدُهُ قوةً الجوابُ الثاني؛ وهو ورود كثرة الضمائر المذكَّرة مع التذكير، وورود النعمة – وهي مؤنث – قبل الضمير المؤنث. بيد أني لا أجد الجوابين يُعطيان (العِلَّة) الشافية وَحدَهُما.
رأيي في الموضوع:
أنا أرى أن الآية الأولى التي تَكَلَّم فيها سيدنا عيسى عليه السلام جاء تركيزه على كلمة {الطَّيْرِ} لا على كلمة {هَيْئَة}؛ لأنه كان مشدوداً إلى تَكَوُّن الطير لأنه يستعجل النتيجة، والنتيجة ليست الهيئة، وإنما هي الطير، والرُّسُل.. هم رُسُلٌ بشر، ومعنى ذالك أن الاستعجال من طبع البشر = هم من البشر – وإن كانوا لا يمارسون الأخطاء الخُلُقِيَّة التي يقع فيها البشر غير الرسل – ولو كانت عند بعض البشر قليلة، وعند بعضهم كثيرة. قال تعالى في باب الاستعجال لموسى عليه السلام: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} [طه:83] فأجابه موسى كما جاء معنى جوابه في القرآن: {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه:84].
أما الآية الثانية التي ورد فيها {فَتَنْفُخُ فِيهَا} فقد كان الخطاب من الله عليه السلام إلى عيسى عليه السلام ، فالله تعالى نبَّه إلى الأصل الذي تَكَوَّن منه الطير، أي نبَّه إلى الهيئة؛ لأن هاذه الهيئة هي التي انتهت بالنفخ إلى طير بإذن الله، والطين لا يكون طيراً بغير تكوين الهيئة.
إذن الرسول عيسى عليه السلام ركَّز على النتيجة {الطَّيْرِ}.
أما رَبُّ عيسى فقد نبَّه إلى الأصل الذي لولاه لما كان طير، نبَّه إلى (الهيئة) والله تعالى أعلم.
تكامُل:
في الختام أقول: إن الأقوال الثلاثة تتضافر لتقديم التعليل البلاغي لهاذين الاستعمالين، والأقوال هي: قول الخطيب الإسكافي، وقول أحمد الثقفي، وقولي. أما قول الزمخشري .. فالاعتباطية فيه واضحة. والله سبحانه وتعالى أعلم.