وقعتُ، وأنا أُحقِّق إحدى الرسائل المخطوطة للراغب الأصفهاني، على قوله: "لا شيء أقبح بالإنسان من أن يكون غُفْلاً (أو عُطْلاً) من الفضائل الدنيوية (يريد الفكر والرؤية كما يقتضي السياق)، والدينية (يريد رضى الله تعالى)، فإنه متى يكون كذلك فهو من الرِّجْرِجَة الذين يُكدّرون الماء ويُغلُون الأسعار، إن عاش فَغَيرُ حميد، وإن مات فَغَيرُ فقيد".
وفي تحقيق مخطوطات التراث ونشرها ينبغي لمن يتصدى له أن يقوم بتوضيح معاني النص المحقَّق، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، لذلك فلعلّي أن أوضح للناس ماذا يريد هذا المفكر الفقيه المتميّز من عبارة: "الرِّجرِجة الذين يكدّرون الماء ويغلون الأسعار".
ولدى البحث والتنقير، وجدتُ أنها جزء من سؤال وجواب وَقَعا لاثنين من رجال التراث المعروفين، أما السؤال فقد سأله معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وأما الجواب فقد ردَّ به أحد رجاله المعروفين بالخطابة وسداد الرأي، وهو صعصعة بن صوحان. وقد وجدتُ ذلك في مرجعين من المراجع التراثية، هما: "الأمالي والنوادر" لأبي علي القالي، وكتاب "جاويدان خرد" لابن مسكويه.
ولئن كان السؤال واحداً في المرجعين: "قال معاوية بن أبي سفيان لصعصعة بن صوحان: صِفْ لي الناس"، فإن الإجابة قد اعتراها بعض الاختلاف؛ ففي الأول (1/257) قال: "خُلِقَ الناسُ أضيافاً (أي مختلفين): فطائفةٌ للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، ورِجرجة فيما بين ذلك يكدّرون الماء، ويغلون الأسعار، ويضيقون الطريق".
وفي الثاني (ص 150) "قال: فارسٌ يَذُبُّ (أي يُدافع) عن البيضة (أي البلاد)، وزارعٌ يسعى في العمارة، وعَالِمٌ يشتغل بالديانة، ورِجرِجة بين ذلك تكدّر الماء وتغلي السعر".
فإذا جمعنا ما بين الروايتين للإجابة، وَصَلنا إلى تفصيل ما هو منتظر من العنوان المطروح لهذه المقالة: "بُناة المجتمع المسلم". وما أحسب أن القارئ قد وجد عُسراً في متابعة حكاية تحقيق التراث التي مهَّدتُ بها لما أريد، وقد أردت منها أن تكون عامل تشويق يُهيِّئ لاستيعاب الفكرة المطلوبة وإساغتها.
الجمع بين الروايتين يوصلنا إلى أن المجتمع المسلم في العصر الإسلامي السابق وفي كل عصر يتألف من أعضاء عاملين في خدمته، وآخرين غير عاملين، بل إنهم قد يُعَدُّون في السَّاعِين إلى تأخيره والعمل على إزعاج الناس فيه. أما أعضاء الفريق الأول، وهم بناة المجتمع المسلم، في كل عصر ومصر، فَهُم:
أولاً: العبَّاد العاملون في خدمة الدين وحفظه ونشره، ولنلاحظ عبارة ابن مسكويه: "عَالِمٌ يشتغل بالديانة"؛ فالعلم هو ما عني بالشرع وما يوافق عليه الشرع.
ثانياً: العاملون في الجيش المُدافعون عن البلاد في لحظات تعرّضها للأخطار.
ثالثاً: العاملون في الدعوة والوعظ والإرشاد والإعلام المُوجّه لما ينفع الناس.
رابعاً: العاملون في التجارة وتأمين حاجيَّاتهم وحاجيَّات المجتمع الشرائية.
خامساً: العاملون في الزراعة وعمارة الأرض واستصلاحها.
أما أعضاء الفريق الثاني فهم الذين ليسوا من مثل هذه الفئات العاملة النافعة، هم العاطلون عن العمل.
وما عسى العاطل عن العمل أن يُقدِّم ما ينتفع منه المجتمع، إذا أَلِفَ حياة البطالة والقعود مع الخوالف في البيوت وفي الطرقات؟ إنه سوف يصبح عبئاً على الدولة وعلى الناس وعلى أهل بيته. أجل، إن الواحد من هؤلاء العاطلين سوف يُحسَب في العوامل التي تأخذ بالمجتمع إلى الخلف لا إلى الأمام، إنه يحتاج لمن يُطعمه ويسقيه ويكسوه. إنهم حقّاً سوف يؤثرون تأثيراً سلبيّاً على المجتمع، إذا كثر عددهم. يقول أبو علي القالي في شرح غريب هذا الخبر: الرِّجرِجة – براء مشددة ومكسورة وراء مكسورة: هم شِرارُ الناس ورُذَّالهم.
ويقول: وأصل الرجرجة (في اللغة): الماء الذي قد خالطه لُعاب!
فَهُم إذا وردوا عين الماء ليشربوا فلن يكونوا إلا عالةً على الناس لا يخشون إلا الوقوع في الظمأ، وإن التقوا في الطرقات فلسوف يُضيّقون على سالكيها، ولن يعطوها حقَّها من الأدب والاحتشام، وإذا التقوا في سُوقٍ فإنهم بكسلهم وغلظتهم لن يجدوا إلا معاملة سيئة تناسبهم.
ولكن الذي يلفت الانتباه في هذا الخبر بأسره هو أن المجتمع المسلم سيظل ثابت الأركان، داخليّاً وخارجيّاً، إذا انصرف أبناؤه للأعمال الحميدة التي تبنيه من القواعد بالزراعة والتجارة وبالاستمرار في الدفاع عن البلاد إذا ما دهمها أيُّ خطرٍ خارجي، وبالثبات على أمر الدين وحفظه في النفوس وتطبيقه في الحياة ونشره على العالمين.