الصفحة الرئيسة
حول مجلة الفرقان
على مائدة القران
على مائدة النبوة
دراسات اسلامية
شخصيات إسلامية
أدب اسلامي
حوارات
عيادة الفرقان
في فقه اللغة
ركن الأسرة
قسم تحميل الملفات
قسم الاشتراكات
 
للإشتراك في القائمة البريدية
على مائدة القران
تحميل ملف الرسالة أرسلها لصديق طباعة
 الصفحة الرئيسة   على مائدة القران
رقم الاصدار : 96 سنة : 2010  شهر : 1
نظرات في مفهوم الحوار في القرآن الكريم ( أ.د.الشاهد البوشيخي )

مقدمة في الخصوصية الدلالية للألفاظ في القرآن الكريم:

هذا الكتاب – كما تعلمون – أُنزل بلسان عربي مبين، الألفاظ التي استعملها والجمل والتراكيب والأساليب، وكلُّ ذلك من البيان العربي، لكن هذا الكتاب انطلق من الألفاظ بدلالتها المعروفة المألوفة، ومنذ بدأ نزوله حتى انتهاء نزوله ضمَّنَ الألفاظ مفاهيم ووضعها في سياقاتٍ بعينها جعلها في النهاية تنتقل دلاليّاً من المعاني التي كانت لها في اللسان العربي إلى آفاق جديدة ومفاهيم جديدة تنسجم مع هذه الرؤية الشمولية الربانية التي جاءتنا من الله جل جلاله والتي يجب أن نستدرجها بين جنوبنا ونصدر عنها في كل ما نأتي وما نذر، لذلك فالألفاظ وإن كانت عربية وموجودة في المعاجم العربية وفي الكتب العربية إلا أن درسها الحقيقي ينبغي أن يتركّز – بعد التعريج على كل ذلك واستيعابه – على استعمالاتها في القرآن الكريم لتُستخلَصَ الخصوصيات الدلالية لهذه الألفاظ ليتمهد الطريق إلى فقه عالَم القرآن بصفة عامة.

في ورود اللفظ في القرآن الكريم :
مادة هذا اللفظ – الحوار – وردت أربع مرات مما له صلةٌ بموضوعنا، ورد الفعل المضارع الثلاثي في قوله جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ . فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ . فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا . وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا . وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ . فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا . وَيَصْلَى سَعِيرًا . إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا . إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ . بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [الانشقاق:6-15]؛ ظنَّ أن لن يحور: ظن أن لن يرجع.

في سورة الكهف في قصة صاحب الجنتين: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} [الكهف:32-35].

إلى أن يقول العبد المؤمن الصالح في جواب هذا المغترّ: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا . لَكِنَّا هُوَ الله رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ الله لَا قُوَّةَ إِلَّا بالله إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا . فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} [الكهف:37-41] وكانت هذه النتيجة {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف:42].
بعد هذا وردت أيضاً في سورة المجادلة في الآية الأولى: {قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى الله والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة:1]؛ إذن ورد: "يحور" مرة واحدة، و"يحاور" مرتين، و"تحاوركما" مرة واحدة، معنى ذلك: أن هذه المادة وردت أساساً في الصورة الفعلية في صورة الثلاثي وصورة الرباعي "حاور" التي منها، ولا بأس أن أقول: إن الحوار – هذا اللفظ – لم يَرِد هكذا بهذه الصيغة في القرآن الكريم وهو في المعاجم العربية اسمٌ من المحاورة، وهو – قياسيّاً – أيضاً مصدر الفاعل الذي له مصدران مشهوران: المُفَاعَلة والفِعَال كالمُقَاتَلة والقِتَال،

وهو أيضاً اسمٌ من "حار يحور" كذلك.
فأيضاً الحوار له صلة بهذه المادة الثلاثية الأصل.
و"التحاور" هذا الخماسي، هكذا وردت المادة في الصورة الفعلية وفي الصورة الاسمية. ولا بأس من الإشارة إلى أن ورود المادة في الصورة الفعلية يعني فيما يعني اشتغال القرآن بالجانب العملي لا بالجانب النظري، وكثيراً ما حدث هذا في عدد من المفاهيم.
في معاني الحوار في المعاجم العربية :

مداره على ثلاثة معانٍ، يقول ابن فارس: "الحاء، والواو، والراء، في المقاييس ثلاثة أصول (لا يعنيني الأول)، أحدها: …، و الآخر: الرجوع، والثالث: أن يدور الشيء دوراناً".

المدار في الحقيقة على ثلاثة معانٍ هي: "الرجوع"، و لكنه نوع من الرجوع خاصة نُصَّ عليه في بعض المعاجم، كقول صاحب اللسان: "و أصل الحوار: الرجوع إلى النقص"، ليس رجوعاً مطلقاً، بل الرجوع الذي يكون من درجة فيها زيادة إلى درجة فيها نقص، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في دعائه المشهور: "اللهم إني أعوذ بك من الحَوْرِ بعد الكَوْرِ" (أخرجه الألباني في كتابه: صحيح الترمذي، وقال حديث صحيح)؛ الكَور: الذي يكون للعمامة، والحَور: الذي يأتي عكس ذلك.

وهذا له صلة بمعنى المحاورة أيضاً؛ لأن أيّ محاور ينطلق من محاولة الوصول – وسيأتي هذا في الهـدف – إلى أمرٍ يدخل فيه النقصان على الطرف الثاني وتكون عنده زيادة من جانبه، فهذا الرجوع، هذا المعنى – الذي هو الرجوع ولا سيما إلى النقصان – بارز للمادة، كذلك معنى "الدوران" الذي منه المحور معنى بارز للمادة أيضاً، كذلك معنى "التردد"، وهذا الذي وقف عنده الراغب الاصفهاني في المفردات، وهو الشيء يتردد بين شيئين بصفة عامة، أو يتردد بين حالين.
هذا المعنى هو الذي جعل منه المحاورة وفسرها بالمرادة في الكلام، يَرُدُّ أحدهما على الآخر، وكلُّ واحدٍ منهما يكون له موقف بعينه، وهذه المعاني من الناحية العملية تتكامل فيما بينها، إذا أحببت أن تضع خطّاً جامعاً لها يمكنك أن تفعل ذلك؛ لأن هذا التردد يدور بين الطرفين.

في مكونات مفهوم الحوار في القرآن الكريم، وننظر إلى ذلك من خمس جهات :

- من جهة مادة الحوار: إذا تأمّلنا في هذه الآيات التي وردت فيها المادة بصفة عامة خصوصاً مادة "يحاور" و"التحاور"، نجدها في القرآن الكريم كلامية: {قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى الله والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} هذا التحاور كان قوليّاً، وكان أساساً بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابية الجليلة خولة بنت خويلد، كذلك: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}؛ بمعنى: القول موجود وضمن القول كان هذا الكلام الذي قصَّهُ الله علينا، أي إنه قال كلاماً آخر ضمن الحوار، لكن من ضمن ما قال مما استحق أن يضعه الله عز وجل في البؤرة، في بؤرة ما ينبغي الاعتبار به مما الحاجة إليه في إرشاد الناس، وهذا هو ما قصَّه الله علينا في الكلام الأول، ثم ما قصَّه الله علينا في الكلام الثاني وهو يجيب الأول، لكن التعبير بـ (وهو يحاوره) معناه: أن كلاماً كثيراً كان بينهما، لكن من ضمن هذا الكلام اختار الله تعالى هذه الجمل وهذه الأقوال بالتحديد،

كذلك لا يُتصوّر وجود حوار بدون هذه الثنائية: {قَالَ لَهُ}، {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}، والثانية {يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} لكن هذه الثنائية لا تفيد الحصر، بل يمكن أن يكون التعدد، و لا بأس أن أذكر هذا الحديث الذي ساقه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في كتاب عمدة التفسير، وأشار إلى صحته، الذي يعنيني منه: "ولما بلغ رسول الله خمساً وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة"، هذا الحديث طويل مما فيه: "حتى إذا انتهى إلى الأساس أفضوا إلى حجارة خضر... أخذ بعضها ببعض، ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغوا البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن تضعه دون الأخرى حتى تحاوروا بالجمع – و تخالفوا و أعدوا للقتال…".

ومن جملة مكونات الحوار: الاختلاف، ولكن مع هذا الاختلاف الاستقلالية في رأي الطرفين؛ لكل طرف رأيه الخاص المختلف عن الآخر المستقل، كذلك في الهدف إذا نظرنا إلى نوع المكون في الهدف فهناك مسألة الإقناع بوجهة نظر؛ فالمحاور دائماً له هدف في حواره، هو أنه ينطلق باستقلال من وجهة نظره بهدف إقناع الآخر بها.

كما في الأسلوب أيضاً، فالتبعية لنوع الشخصية، لأننا إذا حلَّلنا حوار الذي قال: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}، والآخر الذي قال: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ} تجده أسلوب الداعية الحكيم المؤمن.
في علاقة الحوار بمرادفاته في القرآن الكريم

(اللفظان المشهوران: الحِجاج والجدال) :
"الحِجاج" لم يرد في القرآن كله إلا خصومة بباطل من مبطل، وقد نصَّ على هذا ابن عاشور، لكن من تتبَّع الآيات يجد أنه لم يثبت في القرآن كله لنبي أو عبد صالح.

الذي يُحاجج بصفة عامة في القرآن من حيث مصدره هو المبطل ويحاجج في باطل.

لفظ "الجدال"، له خصوصية تميزه؛ فهو استدلال بقصد الدفاع والغلبة، لذلك ربطه البعض بمعنى الجدل، والجدالة هي الأرض، يعني ألقاه على الجدالة، أي صَرَعه على الأرض الصلبة.

"الحوار" أعمّ من كل ذلك وليس من شرط وجوده وجود ما تقدم، كما أن المعاني التي توجد في الجدال والحجاج قد لا توجد في الحوار.

في كون الحوار الفضاء الأفسح للتواصل ننظر إليه من ثلاث زوايا في تلك الآيات:

بين مُريد الآخرة وبين مُريد الدنيا، هل يكون الحوار؟ وبين المؤمنين أنفسهم ذُكراناً وإناثاً كما في سورة المجادلة، وبين الرؤساء والمرؤوسين كما في حال سورة المجادلة أيضاً كل ذلك.

وأخيراً خاتمة: في ضرورة التعاون العلمي والمالي على مشروع المعجم المفهومي للقرآن الكريم.
القرآن الكريم باختصار بحاجة ماسة إلى دراسة لألفاظه من جديد تستوعب جهود الأقدمين لا في كتب التفسير، ولا في كتب المفردات وغريب القرآن، ولا في غير ذلك من جهود المعجميين بصفة عامة الذين – جزاهم الله خيراً – ما انفصلوا عن لغة القرآن كما ينعق بعض الناعقين اليوم ليفصلوا الأمة عن لغة القرآن، هذا ما كان وما ينبغي أن يكون.

بعد ذلك الاستيعاب ينبغي تركيز النظر بمنهجية حقيقية؛ منهجية خاصة لدراسة الألفاظ في القرآن الكريم نفسه، لاستخلاص الدلالة الخاصة بكل لفظ، وفق الأنساق التي لها في بنية القرآن البنية المفهومية للقرآن الكريم، وبالله التوفيق.

     
   
     

 البحث في الاصدارات

 

 سنة الاصدار

 

 شهر الاصدار

البحث داخل الموقع