الصفحة الرئيسة
حول مجلة الفرقان
على مائدة القران
على مائدة النبوة
دراسات اسلامية
شخصيات إسلامية
أدب اسلامي
حوارات
عيادة الفرقان
في فقه اللغة
ركن الأسرة
قسم تحميل الملفات
قسم الاشتراكات
 
للإشتراك في القائمة البريدية
حول مجلة الفرقان
تحميل ملف الرسالة أرسلها لصديق طباعة
 الصفحة الرئيسة   حول مجلة الفرقان
رقم الاصدار : 96 سنة : 2010  شهر : 1
وترجّل الفارس أبو عماد ( د.محمد خازر المجالي

الحمد لله على كل حال، والصلاة والسلام على حبيبنا محمد والصحب والآل، وبعد:

فهكذا هي الحياة، وهذه هي الدنيا، مرحلة وتنتهي، تمر كأنها لحظات، فحين يكبر الإنسان تصبح ذكريات عشر سنين كأنها أسبوع، وهكذا العمر كله، فالسعيد حق السعادة من كانت حياته لله، في أي شأن وأي حال، وفي الحقيقة فهذا هو الإسلام الحقيقي، فالإسلام هو الاستسلام والخضوع لله تعالى، في أمره ونهيه وشرعه، والإسلام منهج حياة شامل كامل، فهنيئاً لمن كان مسلماً حقّاً.

ومما يعين على العيش للإسلام هو العمل، فنصيحتي للجميع أن لا يكون محايداً أو معزولاً أو منظِّراً، فعملك لله بصدق وإخلاص هو باب خير وبركة لك ولأهلك، فكن صاحب مبدأ، وكن صاحب أثر صالح في هذه الدنيا، لتكون سبباً في علو مرتبتك في الآخرة. هكذا العظماء الذين يعيشون لله تعالى، يضعون في أول أهدافهم رضا الله تعالى، همّهم الله، غايتهم الله، فيحبهم الله، ويجتبيهم وينتقيهم، فنسأل الله تعالى أن نكون على العهد معه.
هنيئاً لك أبا عماد؛ عيشك في سبيل الله تعالى، داعياً إلى الله، مؤسساً للعمل الخيري، والعمل القرآني، مجاهداً صامتاً متواضعاً حييّاً زاهداً حكيماً رحيماً حليماً.

عرفتُكَ قديماً في أكثر من ميدان للعمل الإسلامي، وعرفتك عن قرب في جمعية المحافظة على القرآن الكريم، يوم انضممتُ إلى مجلس إدارتها عام 1995م، عرفتك عن قرب في أمور الجمعية، وأمور الإسلام بشكل عام، فُقْتَ الجميع بحلمك وتواضعك وسعة صدرك، ويوم أن تقاعدتَ من عملك التربوي، تشاورتُ مع الزملاء في أن تكون موظّفاً في الجمعية تقوم على أمورها عن قرب، فوجودك كان رمزاً للصدق والمثابرة والعطاء، ودافعاً للجميع أن ينطلق ويبادر، فأنت الأب للجميع في الجمعية، وسعتهم ووسعتنا بحنانك وأبوّتك ولطفك وحكمتك، ووهبك الله قدرة وتوفيقاً لحل معضلات الأمور، رحمك الله تعالى رحمة واسعة، والله إني لأشعر أن قطعة من جسدي قد اقتُلعتْ، وركناً من أركان الجمعية قد انهدم، ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون، وبهمّتك وزملائك فقد تجذّر العمل القرآني وتأسس على أتم الأصول، وهذه من إسهاماتك الكثيرة.

قد اختار الإله أبا عماد جوارُ الله خيرٌ للعباد

هكذا يا أحباب أبي عماد فليكن العمل، ولتكن المجاهدة، كان رمزاً للتضحية والتعالي على المصائب وتحمّلها؛ فبجسده المريض يأبى إلا أن يواصل العطاء، فربما كان حاله يعذره في الجلوس، ولكنه الحب للقرآن وأهل القرآن، والأنس بالعمل الصادق مع فرسان القرآن، هو الراحة الحقيقية، فلتكن هممنا كأبي عماد وأكثر، ولنتسابق إلى ما يرفع درجاتنا.
تهون له المصاعب راغمات برغم الهم في سن الكهول

أبا عماد: أحسبك إن شاء الله في راحة وسعادة، كيف لا وقد كنت من خُدّام القرآن وأهله، وكانت منيتك ظهر الثلاثاء 24/11/2009، في السابع من ذي الحجة، وأنت تنشد مع مسجل السيارة تلبية الحاج: لبيك اللهم لبيك، وتكبر معهم شعر الإسلام الخالد: الله أكبر، وأنت الكبير سنّاً وقدراً تمرح وتنشد وتعيش مع الحجيج من باب (تشبّهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم). وفي اليوم السابق لوفاتك تحرص على إكرام أهل القرآن، في عمل دؤوب يستمر حتى المساء، متحدّياً وضعك الصحي وبرودة الطقس حتى ترسم بسمة لأخت عاملة في الحقل القرآني، وترفع شأن أهل القرآن.

ومع هذه الجوانب الجادّة في شخصيتك كنت مرحاً متواضعاً، تعلق على وضعك الصحي، صاحب نكتة مع نفسك، فقد خفّ سمعك فتقول لمن يخاطبك طالباً رفع صوته: (أنا خففي سميع) يعني (سمعي خفيف)، وحين تُفاجأ بأخ لك لا تعرف عن مكان سكنه ولا في أي طابق هو، فإن كان في الطابق الرابع مثلاً، تبتسم وتعقّب: "شو ساكن عند سيدنا زكريا"، مستشعراً قول الله سبحانه عنه: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم:57]. اختصمتُ معه يوماً على شكل الباج الذي أردناه شعاراً لكل مسلم يعتز به يضعه على صدره، أردتُه مجسماً صغيراً أنيقاً يرمز إلى القرآن، بدل الشعارات المبنية على مسائل أخرى أعتبرها أقل من طموح المسلم بعالميته وشمولية منهجه، وليس بالضرورة أن يوضع عليه شعار الجمعية، فإذا به يأتيني بمجسم كبير نوعاً ما للقرآن وسط قلب باللون الأحمر، فقلت له: "شو يا أبو عماد هي مسألة حب"، وكان يريد رحمه الله دمج عدة معان في مجسم واحد، وهو المتابع بجلد كل أمور الجمعية، الإدارية والمكتبية والميدانية، صاحب الفكر العميق والنظر الثاقب.

كم كان يفرح ويسارع لِبَثّ البشرى بين إخوانه إن وصل تبرّع للجمعية، أو سجّلت قطعة أرض للجمعية، أو أسهمت جهة ما في دعم مشاريع الجمعية وطلبتها، أو كان أي خبر لصالح الجمعية، يبدو السرور على وجهه ربما أكثر من سرور كان يخص بيته وأولاده.

ترى البسمات ظاهرة عليه يبشر إخوة الحق التليد

وإن تجادلنا معه وهو يقدم رأيه واقتراحاته على الكتب الواردة من الفروع والمراكز، وغالباً ما ينحاز إليها في دعمها، ولو لم يكن الرأي كذلك فكان سهلاً في تقبّل الرأي الآخر، يحترمه، ويتّهم نفسه أحياناً، في تواضعٍ ورضا وانصياع، فهكذا الجندية وهكذا الإدارة، وهكذا هو كبير في شؤونه كلها، عاش كريماً ومات عزيزاً.

همُ أهل المروءة والمعالي قد اختاروا الجنان لهم طريقاً
وفي يوم الجمعة (11/12/2009) في جاهة الصلح مع أهل المتسبب في حادث موته، وأثناء إلقائي كلمة الجمعية أمام الحضور، يعطيني شبله (عماد) ورقة بيد خط المرحوم فيها (العفو أعظم من الحق، وزاد الله عبداً بعفو عزّاً)، وعقّبتُ مباشرة: إنك يا أبا عماد كبير حتى وأنت في قبرك.

أختي أم عماد، إخواني عماد وزياد وبقية أفراد العائلة العزيزة: مُصابكم في أبي عماد عظيم، ولكن رحمة الله له أعظم إن شاء الله، فالله اختاره إلى جواره، وكان أبو عماد يحب لقاء الله، ومن أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه – كما أخبر حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وستبقى ذكراه في كياننا وجمعيّتنا وعملنا القرآني، وستبقى روحه تسري في فروع الجمعية ومراكزها.

و إذا المنية أنشبت أظفارهـا ألفيـت كـل تميمـة لا تنفـعُ
وسيكون لأبي عماد حظ من أجور كل الذين تعلّموا القرآن في الجمعية، فهو أحد مؤسسيها والعاملين فيها، فهنيئاً له عظيم أجره، حين يجد في صحيفته غداً أمام الله أعمالاً لم يكن يتوقّعها، تُثقل ميزانه في الخير إن شاء الله، ترفعه إلى أعلى الدرجات.

من العزم العظيم بنى كياناً فأينع فرعه وكذا الأصول

إخوانك الذين أحبوك واعتزوا بأخوّتك وعاشروك عن قرب يترحمون عليك، ويعاهدون الله أن يبقوا على العهد، ناشرين نور القرآن، عاملين في سبيل الله، متجاوزين المحن والصعوبات، متوكلين على الحي القيوم، فعلينا العمل وإتقانه، والنتائج على الله تعالى، فهو ولينا وحسبنا ونعم الوكيل، ونسأل الله أن تنطبق الآية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:23] عليك وعلينا، حتى تقرَّ أعيننا بنصر الإسلام العظيم، ونرى راية القرآن خفّاقة في الأرض كلها.

ترجّل فارس القرآن أبو عماد، وأحسبه أنه قرَّت عينه بأن كبرت البذرة التي بذرها مع إخوانه المؤسسين، واعتنى بالشجرة، وبذل قصارى جهده في جعلها جميلة عظيمة، نُشهدك يا ربنا بأن أبا عماد كان من خيرة العاملين في الجمعية، للقرآن وللإسلام، وأنت أعلم به منّا، فشفِّعنا فيه، وارحمه رحمة واسعة، واجمعه بالنبي الكريم في الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
صدق الله العظيم، وصلى وسلم وبارك على النبي الكريم، وآله وصحبه أجمعين، وعنّا معهم بإحسان إلى يوم الدين.

     
   
     

 البحث في الاصدارات

 

 سنة الاصدار

 

 شهر الاصدار

البحث داخل الموقع