الصفحة الرئيسة
حول مجلة الفرقان
على مائدة القران
على مائدة النبوة
دراسات اسلامية
شخصيات إسلامية
أدب اسلامي
حوارات
عيادة الفرقان
في فقه اللغة
ركن الأسرة
قسم تحميل الملفات
قسم الاشتراكات
 
للإشتراك في القائمة البريدية
دراسات اسلامية
تحميل ملف الرسالة أرسلها لصديق طباعة
 الصفحة الرئيسة   دراسات اسلامية
رقم الاصدار : 100 سنة : 2010  شهر : 5
الحياة وقوانين التكامل والتسخير والتوازن (د. مأمون فريز جرار )

قد لا يتلفت كثير منّا إلى قانون رائع يحكم حياتنا، لولاه لاستحالت الحياة، ذلك هو قانون التكامل، فمن ذا الذي يستطيع أن يقوم بحاجاته كلها: طعاماً ولباساً وبناءً وعلاجاً..؟

ولو أنك دخلت الأسواق ونظرت في أنواع البضائع والحاجات ما كان منها ضروريّاً وما كان كماليّاً، ما كان منها منتجاً طبيعيّاً وما دخلته يد التصنيع، لرأيت أثر هذا القانون، ولرأيت صدق نظرة ذلك الشاعر الحكيم الذي قال معبّراً عن هذا القانون:
الناس للناس من بدوٍ وحاضرة بعضٌ لبعض وإن لم يشعروا خدم

إنها خدمة التكامل التي تتجلى فيها الحكمة الإلهية التي ولدت في نفوس البشر في كل بيئة صغرت أم كبرت، اتجاهات شتى تؤدي إلى تكامل العاملين في حاجات الإنسان كلها.

إنه التكامل الذي يكفل استمرار الحياة، ويكفل ظهور التسخير لكل الموجودات للإنسان الذي هو كائن مميز، وتجده في العطاء الرباني لكل إنسان، بما يجعل لكل إنسان غاية يسعى إليها ومساراً يسير فيه، وتجد في نظرك في حياة البشر مصداق القول النبوي الكريم: "كلٌّ مُيسّرٌ لما خُلِق له". (صحيح البخاري).

وتجد الرضى في النفوس بما أعطيت من قدرات وبما أتيح لها من مجالات؛ فهذا يطمح إلى الملك أو الرئاسة والسلطة على اختلاف درجاتها: من ملك دولة إلى زعامة قبيلة إلى غير ذلك من المراتب، وتجد لديه قدرات تعينه على الوصول إلى ما يتطلّع إليه وتجد من حوله يجنّدون طاقاتهم لإعانته على الوصول إلى ما يريد، هذا بماله، وهذا بجهده، حتى يتحقق له هدفه.

وهذا الطبيب الذي هو في قمة الهرم الطبي تجد معه أعواناً لخدمة المرضى وتحقيق غاية العناية بالجانب الصحي لدى الإنسان، فتجد معه مساعدين من ممرّضين وعاملين في المختبر، وتجد من يقدّم للمريض الطعام ومن يعمل في نظافة المرافق الطبية، ليتكامل الجهد وتتحقق الغاية..

وسبحان القائل: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً} [الزخرف:32].
وامضِ حيث شئت في جوانب الحياة تجد آثار هذا القانون الرباني الرائع "قانون التكامل" في ما على الأرض من الأشياء، وتجد إلى جانب التكامل وجهاً آخر له هو "قانون التسخير" وهو من أثر التدبير الإلهي الحكيم الذي خلق الأشياء لغاية وأوجد الأشياء لحكمة؛ فالله سبحانه وتعالى حين خلق الأرض قدّر فيها أقواتها وأوجد فيها من العناصر المادية، والكائنات الحية والقوانين الطبيعية ما يكفل استمرار الحياة الإنسانية، وتوفير الحاجات ليس للإنسان وحده بل لسلسلة الكائنات المسخّرة لخدمة الإنسان التي يُكمّل بعضها بعضاً ويرتكز بعضها على الآخر في سلاسل من الكائنات التي تتجلى في كل منها آيات القدرة وآيات الجمال وآيات الكمال وآيات الحكمة.

ألا ترى إلى الأرض تخرج ألواناً من النبات، منه ما ينتفع به الإنسان وحده، ومنه ما هو مشترك بين الإنسان والحيوان، ومنه ما هو للزينة أو لغايات تخفى على الإنسان إلى حين، ومنه ما هو للظل حيناً، ويكون حطباً حين يجفّ ويصبح مصدر طاقة للإنسان؟
ولننظر في تأمّل وتدبّر في قول الله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً . فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً . وَعِنَباً وَقَضْباً . وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً . وَحَدَائِقَ غُلْباً . وَفَاكِهَةً وَأَبّاً . مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس:24-32].

ولو نظرنا إلى ما ذكر في هذه الآيات الكريمة من زاوية أخرى وجدنا من الكائنات ما يشارك الإنسان فيها، ومنها النحل الذي يستثمر ما يكون من أزهار النباتات ليكوّن منها عسلاً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس، فقد سخّر الله تعالى النحل ليستخرج من النبات ما لا يستطيع الإنسان استخراجه ليتجلى لنا فيه جانب من جوانب التكامل بين عمل الإنسان وغيره، وليتجلى فيه كذلك قانون التسخير.

وتجد قانون التكامل في علاقة الكائنات بعضها ببعض؛ فالجمادات في السهول والجبال بيئة خصبة لنمو النباتات، وعلى النباتات تعتمد الحيوانات غير المفترسة في تغذيتها، ومن هذه الحيوانات ما يصلح لأكل الإنسان من الأنعام والدواجن، وما يحل صيده من الحيوانات والطيور وغيرها، ومن تسخير الله تعالى أن تجد من الحيوانات الصوف والشعر والجلد والريش وما شئت من ألوان الفائدة من هذه الحيوانات.

واقرأ في كتاب الله تعالى آيات تشير إلى قانون التسخير: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ . وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:5-8].

وتجد الحيوانات المفترسة تتغذى على الحيوانات غير المفترسة وللإنسان فيها منافع شتى..
ولعل مما ينبغي أن يلفت نظرنا في شأن قانون التكامل وقانون التسخير ما يمكن تسميته بـ"قانون التوازن"، هذا القانون الذي يتجلى في التكاثر الذي يعوّض ما يؤكل أو يستخدم أو يستهلك وفق القانونين السابقين في المجالات كلها، وفي ذلك تتجلى فيوض خزائن الرحمة الإلهية، وآيات قدرته وحكمته، وتتجلى لنا قوافل الأحمال التي تفيض من خزائن الله تعالى التي تتنزل وفق حاجات الكائنات كلها التي تسأل ربها سبحانه بلسان الحال حيناً، وبلسان المقال أحياناً، قال الله تبارك وتعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر:21].

وحين تمضي الأمور على القوانين الإلهية يظل قانون التوازن عاملاً حتى إذا دخل الإنسان فيه دخولاً غير منضبط بمنهج الله تعالى ظهرت ألوان من الفساد والخلل في التوازن مما يولد في الأرض الفساد، وهذا بعض ما يدل عليه قول الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم:41]، فمن الفساد اختلال توازن المخلوقات مما يؤدي إلى النقص والخلل في الأرض.

ويظل قانون التكامل وقانون التسخير وقانون التوازن من آيات الله التي تدعو الإنسان إلى التفكّر والتدبّر لتتبدّى تجلّيات أسماء الله الحسنى في الوجود؛ في الجمادات والنباتات والحيوانات وفي الإنسان..

يقول بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله مشيراً إلى قانون التكامل في الوجود: "إنه ما من شيء في هذا العالم إلا وكأنه يتطلّع إلى الآخر فيُغيثه، أو يرى الآخر فيشدّ من أزره ويعاونه، فيكمل الواحد عمل الآخر ويكون ظهيره وسنده، ويتوجّه الجميع جنباً إلى جنب في طريق الحياة".

     
   
     

 البحث في الاصدارات

 

 سنة الاصدار

 

 شهر الاصدار

البحث داخل الموقع