بقلم الأستاذ: أحمد خلف العمري
تترقرق في العيون دمعة يعزّ على مختبر العواطف تحليل قطراتها، إنها دمعة فرح وفخر بشخصك وإصرارك الذي صهر جلمود الجهل الذي أوصده العوز والفقر أمامك فحرمك لبس مريول المدرسة وحمل حقيبتها.
يا دمعة جادت بها أحداقي
وترقرقت فوق الخدود سواقي
وحملت أفراحي وبوح مشاعري
دمعاً يعطّر فرحة المشتاق
يا أمّ نادر فيك نبع عزيمة
هي منهل للعارف التوّاق
قد زادك القرآن عزاً خالداً
قد نلت حب الخالق الرزّاق
في بيت قلّت موارده وشحّت مناهله أبيتِ إلا أن تمسكي القلم سيفاًَ تحاربين فيه أمواج الجهل التي داهمت بيتك القديم وتشقين به سدول الظلام التي أرخت بسوادها على أسرتك.
أتعرفون من معلم أمّ نادر؟
أتعلمون من فكّ لأم نادر طلاسم الحرف؟
يد تشدّ على لهيب الألم محاولة إطفاء لهيبه، ويد فوق يدها تخطّ على قرطاس العزيمة والإرادة حروفاً من نور لتكتب: (أخي خلف أستاذي).
لم تكن قد تجاوزت الحادية عشرة من عمرها عندما صارعها هوس التعليم والرغبة في اللحاق بركب التعليم ومسايرة بنات جيلها اللواتي ذهبن للمدرسة.. نعم ها هي اليوم تتميّز عمّن نهلن من دور العلم والمعرفة وحصلن على الشهادات والإجازات.
لم تتلمذ على يد دكاترة وشيوخ، تعدّ الطعام وتهيّئ الأجواء منتظرة أستاذنا حتى يعود من يوم حراثة أو حصاد جارّاً خلفه جسداً أنهكه التعب والمرض، تعدّ له كوب شاي تذكرة للوصول إلى حالة من الرضا تقتحم فيها هدوءه لتتقن قراءة حرف جديد وكتابته.
أمّ نادر والمعلم الشقيق.
شقيقها الذي مازج روحها روحه فتقاسما الهم والألم والأمل رأى في عينيها عطش للتعلم فراح يروي عطشها من موارده.
أمّ نادر: أيتها الكاسرة القاهرة لمفاهيم الجهل والسنّ الزائفة.
لم تكن سنيّ عمرك الطويلة إلا مجاديف قويّة تبحرين بواسطتها في محيط العلم والمعرفة.
وتدخلين معركة الأسرة والزواج والإنجاب، إنّ الحلم يكبر والأمل ينمو، فتصرين على مواصلة التعليم.
تنام الليل محزونة بعد محاولة عاجزة لقراءة القرآن، فبالرغم من متابعتها لقنوات إذاعية وتلفزيونية، لكنها تأبى إلا أن تضم المصحف الشريف بين جنباتها وتقرأ به بلسانها وعينيها.
في سن الخامسة والثلاثين تتحدّى ظروف الأسرة وتقرر الالتحاق بمراكز محو الأمية لتكمل متطلبات القراءة، كي تتمكن من قراءة القرآن من المصحف الشريف.
وتبدأ لديها مرحلة متقدمة من القراءة، حيث امتلكت قدرات متقدّمة أهّلتها للقراءة من المصحف والتعلم من كتب التفسير والفقه والحديث.
اتجهت "أم نادر" لابن اخيها الشيخ محمد الخلف، تنهل من علمه، وتستعين بمكتبته، وكلما أنهت قراءة كتاب راحت تبحث عن غيره.
فكّرت أم نادر في نشر ما تعلمته، فراحت تجمع جاراتها وصديقاتها، تعدّ لهن ندوات ودروس علم في بيتها ، مؤمنة أنّ أمانة العلم نشره.
وتدخل أم نادر عقدها السبعين ولا ينبو لها سيف، ولا يكبو لها فرس وتتجه إلى مراكز القرآن الكريم وتحط ركابها في مركز (عمر بن الخطاب القرآني) الكائن في قرية دير يوسف، التابع لفرع لواء بني عبيد، تنهل من نبعه وتتعلم على معلميه ومعلماته.
ويسطع نجم "أم نادر" وتخوض مضمار السباق وتتمكن من حفظ طوال السور (البقرة، آل عمران، الإسراء، الكهف)، دون أن تتزعزع عزيمتها، مصرّة عل إكمال حفظ القرآن الكريم كاملاً.
وتضع "أم نادر" نصب عينيها، اجتياز الدورة التمهيدية في إتقان أحكام التلاوة وتجتازها بمهارة وامتياز.
واليوم تحطّم أم نادر أسوار الصعوبات وتخوض اليم العميق حيث بدأت منذ سنوات مرحلة اجتياز الدورة المتقدمة في إتقان أحكام التلاوة، وها هو مركزنا يقدم لكم أم نادر وقد حملت في قلبها وعقلها شهادة تميّز واقتدار في الدورة المتقدمة في التلاوة، وما تزال تطمح حتى الوصول إلى الإجازة القرآنية بإتقان بإذن الله.